عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
86
اللباب في علوم الكتاب
« تعودون » و « فريقا » الثاني نصب بإضمار فعل يفسره « حقّ عليهم الضّلالة » كما تقدّم تحقيقه في كل منهما . وهذه الأوجه كلها ذكرها ابن الأنباري ، فإنّه قال كلاما حسنا ، قال - رحمه اللّه - : « انتصب فريقا وفريقا على الحال من الضّمير الذي في « تعودون » ، يريد : تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين ، بعضكم أشقياء وبعضكم سعداء ، فاتصل « فريق » وهو نكرة بالضّمير الذي في « تعودون » وهو معرفة فقطع عن لفظه ، وعطف الثاني عليه » . قال : « ويجوز أن يكون الأوّل منصوبا على الحال من الضّمير ، والثاني منصوب ب « حقّ عليهم الضّلالة » ؛ لأنّه بمعنى أضلّهم ، كما يقول القائل « عبد اللّه أكرمته ، وزيدا أحسنت إليه » فينتصب زيدا ب « أحسنت إليه » بمعنى نفعته ؛ وأنشد : [ الوافر ] 2453 - أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهيّة والخشابا « 1 » نصب ثعلبة ب « عدلت بهم طهية » ؛ لأنه بمعنى أهنتهم أي : عدلت بهم من هو دونهم ، وأنشد أيضا قوله : [ الكامل ] 2454 - يا ليت ضيفكم الزّبير وجاركم * إيّاي لبّس حبله بحبالي « 2 » فنصب « إيّاي » بقوله : لبّس حبله بحبالي ، إذ كان معناه خالطني وقصدني . قال شهاب الدّين : يريد بذلك أنّه منصوب بفعل مقدر من معنى الثاني لا من لفظه ، هذا وجه التّنظير . وإلى كون « فريقا » منصوبا ب « هدى » و « فريقا » منصوبا ب « حقّ » ذهب الفراء « 3 » ، وجعله نظير قوله تعالى : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ الإنسان : 31 ] . قوله : « إنّهم اتّخذوا » جار مجرى التّعليل ، وإن كان استئنافا لفظا ، ويدلّ على ذلك قراءة عيسى بن عمر ، والعبّاس بن الفضل ، وسهل بن شعيب « أنّهم » بفتح الهمزة ، وهي نص في العلّيّة أي : حقّت عليهم الضلالة لاتّخاذهم الشياطين أولياء ، ولم يسند الإضلال إلى ذاته المقدّسة ، وإن كان هو الفاعل لها تحسينا للفظ وتعليما لعباده الأدب ، وعليه : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [ النحل : 9 ] . فإن قيل : كيف يستقيم هذا التّعليل مع قولكم بأنّ الهدى والضّلال إنما حصلا بخلق اللّه ابتداء ؟ فالجواب : أنّ مجموع القدرة والدّاعي يوجب الفعل والدّاعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل هو أنّهم اتخذوا الشّياطين أولياء .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذكره السمين الحلبي في الدر المصون 3 / 259 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 376 .